السابع من أكتوبر بين ثقل الشعارات ومتطلبات الواقع
أمس
بقلم: اللواء أنور رجب
الناطق الرسمي لفوى الأمن والمفوض العام لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي
بعد مرور ثلاث سنوات على نكبة السابع من أكتوبر، حري بنا أن نقف أمام الحقائق مهما كانت مؤلمة، ونعيد صياغة ما حدث بتجرد إلا من الروح الوطنية المسؤولة والإنسانية.
ولا داعي لسرد تفاصيل كثيرة فكلنا يعرف مهما كانت توجهاته أو أحلامه وأمانيه ماذا حدث، وإن شاء البعض التحايل على الحقيقة أو عدم مواجهتها، لحسابات شخصية وحزبية، ولكن بالقطع ليست وطنية.
ما حدث في قطاع غزة وعلى امتداد النكبة الفلسطينية الحديثة من حرب الإبادة، لا يمكن وصفه بتغول أو توحش الإحتلال فقط، فمن الطبيعي أن لا أحد يحسن الظن بمحتله، وكلنا كان يعرف أن الصراع قبل السابع من أكتوبر تجاوز مرحلة الصراع التقليدي الى مرحلة الوجود وتهديده، حتى أن حلفاء حماس كانوا يدركون هذه الحقيقة وانتبذوا لنفسهم استراتيجية تتناسب مع المرحلة، إلا حركة حماس نفسها التي ظلت تتوهم أن الصراع يدور حولها وحول خياراتها، وأوهمت نفسها وأنصارها أنها محور الصراع ذاته، تارة بشعارات الحرب الدينية وأخرى بتحالفات وتقديرات وقرارات ورهانات لا تخلو من الرعونة السياسية والنرجسية ثبت فشلها، وقد استكانت الحركة في مراحل كثيرة الى فكرة أنها قادرة على ابتزاز جميع الأطراف بما فيه الإحتلال نفسه، الأمر الذي جعلها ترفع من سقف شعاراتها رغم ضعف امكاناتها، ما أدى بأنصارها الى رفع سقف توقعاتهم منها أيضا.
وهنا علينا ان نشير الى البيئة الفكرية والتربوية لحركة حماس، التي تستخدم الدين في الشعار أكثر مما تطبقه وتطيقه، وتوظف الغيب في السياسة، في صيغة قد تبدو للإنسان البسيط أنها ديناً، وقدراً إلهياً، وهي ليست أكثر من كونها مشاريع سياسية وطموحات شخصية.
فإذا كان الدين هو زفرة الإنسان المقهور والذي يعينه على تكاليف الحياة، فالإستخدام النفعي للدين هو كنز الحركات السياسية الذي يعينها على التسلط على الشعوب، لضمان انقيادهم لها.
من هنا جاء السابع من أكتوبر حاملاً شعارات كبرى، مغلفة بالدين والصراخ رغم تناقضات الحركة السياسية والإعلامية، خاصة في التعامل مع السياسات العربية والدولية، والتي خضعت لمزاج انتقائي في أحيان كثيرة، فالثابت في خطابها وما اعتبرته مفصلاً مهماً، سرعان ما كانت تتراجع عنه لقلب الرواية على الآخرين بهدف تخوينهم والتسفيه من فعاليتهم ودورهم، ولنا في قضية معبر رفح دليلاً وتناقض الخطاب الذي تراوح بين المطالبة بفتح المعبر مرة وأخرى ضرورة إغلاقه، وقضية تسليح السلاح الذي كان مقدساً ومن ثم أصبح يصنف ثقيل وخفيف لتبرير تسليمه ونزع القدسية السابقة عنه.
وفي الوقت الذي يتم تحشيد شعوب العالم لوقف حرب الإبادة يخرج علينا من يعلن النصر والتفوق والبطولة وينكر على الضحايا دمائهم، في مشهد لا يخلو من المفارقة المؤلمة، حيث كانت مسيرات أنصارهم "الإخوانية" تجوب الشوارع بإسم غزة، وهتافاتها تصفي حسابات الحركة مع خصومها السياسيين وتخون ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وتدعوا إلى استمرار القتال، في حين كانت مسيرات شعوب العالم تركز على الضحية وضرورة وقف الإبادة.
من هنا كانت العقلية الإخوانية التي تستثمر الجريمة لصالحها، وترى فيها قدراً لا يجوز الإعتراض عليه أو نقده، بدل أن توظف تداعيات الجريمة لصالح القضية.
هذا التناقض في الفكر الحمساوي لا يمكن أخذه على محمل الخطأ أو الجهل المعرفي، فهو تناقض متعمد تقوم عليه أسس التنظيم الفكرية والسياسية، وهو لا يختلف عن الفكر الديني الصهيوني الذي يرى الشعوب مطية له ولأهدافه ومشاريعه، ومن الطبيعي حينه أن يظهر هذا التناقض عند تغير المصالح والمراحل الزمنية، لذلك نرى أن الخطاب الإعلامي السياسي والشعبوي لدى الحركة، لم يقم وزناً لحياة الإنسان الفلسطيني، وزجه في مقامرات ورهانات خاسرة كان المواطن أول الخاسرين فيها، فكان خطابها الذي طرح فكرة أن حماية المدنيين في وقت الحرب ليست مسؤولية الحركة وإنما مسؤولية الأمم المتحدة والإحتلال غير مستبعد أو مستهجن لمن يعرفها حقاً، فالقيمة الإنسانية التي لم يراعوا فيها ذمة طوال فترة سيطرتهم على قطاع غزة بعد الإنقلاب المشؤوم، راحت إلى تعظيم قيمة السلاح والترسانة العسكرية المتوهمة لديهم أكثر من الإنشغال باحتياجات المواطن ومصيره وطموحاته، فقد عملت طوال تلك الفترة على بناء ذاتها وتضخيمها، لذاتها، واستخدمت كل مقدرات الشعب لهذا البناء بأدوات غير وطنية للإنقضاض على الحالة الوطنية.
الآن وبعد هذه السنين، هل تغيرت أو تبدلت الحركة؟ هل أدركت مآلات الأمور؟!.
ما زالت الحركة رغم انهيار الحياة في غزة وانهيار منظومتها ومنظومة حلفائها، تراوح بين شعاراتها الوهمية وبين براغماتيتها الدولية، في محاولة لإيجاد شريك يمنحها تأييداً دولياً كجسم مواز لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية ويسعى منذ عقود إلى احتلال مكانتها، حتى وإن كانت الولايات المتحدة نفسها كما صرح خالد مشعل، في تصريحه الذي طلب من أميركا مسامحتهم واستخدامهم أسوة "بآخرين" وشعارات شعبوية تصل الى حد الدجل أحياناً لكسب شعبية زائفة خاصة ممن خارج القطاع.
الدجل الفكري والسياسي لدى الحركة، بدأ منذ تخوينهم وتكفيرهم للثورة ذاتها وفي مسيرتها في القرن الماضي ولم تقتصر على فصيل معين بقدر ما وجهت سهام التشويه إلى مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل والخارج، بنضالها العسكري والسياسي، خاصة فيما يتعلق بتجسيد الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، وتسخيفها مروراً بإعلان وثيقة الإستقلال والإعترافات الدولية بمنظمة التحرير والدولة الفلسطينية، فقد رأت في هذه المشاريع خطراً حقيقياً على تواجدها كتنظيم يسعى الى السيطرة على عقول الناس وقيادتهم، وقد رأت في هذه التوجهات والإعترافات والنضال السياسي والدبلوماسي سابقاً وحديثاً ترسيخاً لخصمها وانتصاراً له، في حين أن الحقيقة الغائبة عن أذهان كثيرين من مناصريهم أو المنصتين لهم أن هذا النشاط الدبلوماسي يسعى إلى إنهاء الإحتلال أولاً وقبل ترسيخ وجود أحد على حساب الآخر، والترسيخ الحقيقي للدولة والشعب والوطنية الفلسطينية.
وبدل أن تنشعل حماس في التفكير للخروج من الحالة / المأزق وطنياً وبتحملها للمسؤولية الوطنية، التي تستدعي منها مراجعة شاملة وصادقة، والرجوع للصف الوطني الفلسطيني، تجدها تدور في حلقة مفرغة وفي "ماراثون" وهمي لإثبات صحة موقفها، والطعن في الآخرين، موزعة الأهواء بين الحركة " الربانية" والبراغماتية التي تبحث عن أي تسوية ومخرج يضمن بقائها في الحكم ضمن أطر ومسارات خارج دائرة الوطنية الفلسطينية، دوائر تتعدد فيها المرايا لتجسيد حماس مترفعة على جراح الشعب الفلسطيني واحتياجاته.
ومن الملاحظ اذا قارنا حماس اليوم بالأمس، سنجد أن حضور الحركة في المشهد السياسي العام يبدو أقل من ذي قبل ولم يعد ناطقوها يشكلون الرواية السياسية والإعلامية، فمركز النقاش انتقل من الحرب والشعارات الكبرى والإدعاءات التي حملتها الى إدارة شؤون غزة، والمرحلة السياسية التالية، وأصبح خطابها مؤخرا محددا ببيانات محددةـ حول وقف إطلاق النار والخطط السياسية التي وافقت عليها عبر خطة ترامب وتسليم السلاح، وبات خطابها غير قادر على فرض أجندته الإعلامية والسياسية كما كان قبلا، في ظل صعود خطاب السلطة الوطنية والمجتمع الدولي حول السلطة الواحدة والسلاح الواحد والقانون الواحد.
وهنا علينا ان نقف عند شعار حماس الذي أطلقته طوال فترة الحرب بأن السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، فإذا كانت تداعيات الطوفان قد أعادت القضية فكيف لذات التداعيات أن تحجم الحركة ذاتها وفاعليتها وروايتها؟!.
وإذا تركنا مسألة إعادة القضية للواجهة كمسألة جدلية، فإنه لا يثبت صحة المشروع السياسي لمن نفذ العملية، فإعادة القضية شيء ونجاح مشروع سياسي لحركة شيء آخر، خاصة اذا كانت إعادة القضية بهذا الشكل المأساوي والمدمر.
إن من مفارقات حركات الإسلام السياسي ليس كونها حركات شمولية فقط سياسياً، لكنها تنتقل الى العملية التاريخية ذاتها، لتجب ما قبلها وكأنه لم يكن، فمن إعلان الحركة أن فلسطين لم تعرف الإسلام قبل العام 78 اي قبل المجمع الإسلامي في غزة، تنتقل الى إنكار أي حركة مقاومة أو فعل مقاوم قبلها، وهي على استعداد لإنكار أي تطور اقتصادي او اجتماعي سبق وجودها أو سيطرتها، وكأنها بذلك فقط تثبت صوابية مشروعها.
فغزة قبل انقلاب حماس 2007 كانت تعيش في فوضى وبمجرد ما سيطرت حماس انقلب الوضع فجأة وأصبحت غزة تنعم بالإستقرار، وهذه كانت احدى حجج أنصارها وقت الإنقلاب من حمساويين وغيرهم.
وكان يكفي أن يفتتح أحدهم متجراً أو محل بقالة، حتى يغص إعلامهم وصفحاتهم بتحليلات اقتصادية وسياسية تثبت لك أن غزة ترفل في نعيم لم تشهده قبلاً.
علماً أن الكلمة الأكثر رواجاً وما زلنا نتذكرها حتى الآن بعد توقيع اتفاق أوسلو ودخول السلطة الفلسطينية أنه مقدر لغزة أن تصبح سنغافورة المنطقة، وهذا لم يأت من أمنيات فقط ولكن بسبب الطبيعة الإقتصادية للقطاع واسهامات السلطة في تطوير البنى التحتية، وانشاء مؤسسات اقتصادية ومالية ولوجستية لأول مرة وقطاع خاص قابل للنمو والبنبة السكانية المتعددة والمتقدمة نسبياً، وليس بالضرورة أن تكون سنغافورة ممكنة الحدوث في غزة إلا أن ذلك يشير إلى مسار تنموي كان حاصلاً فعلاً في القطاع تنكره حماس وتدعي تطوراً لم يحدث.
وفي ظل المجزرة، كان يكفي أن توعز الحركة لأحد نشطائها أن يقدم نموذجاً مغايراً لما تقدمه وسائل الإعلام والرواية الفلسطينية عالمياً حول المجاعة وندرة المواد الغذائية ومياه الشرب، حتى تتحقق معجزة ما على يده وتصبح غزة مكتفية اقتصادياً وغذائياً في محاولة لإثبات قدرتها على إدارة الحياة اليومية.
فالطوفان الذي لم يحقق أياً من أهدافه المعلنة والتي وردت في خطاب الضيف وخطابات أخرى، من تحرير وتبييض للسجون وحماية مقدسات كان الحلقة الأخيرة في قطع العملية التاريخية التي حولت قطاع غزة من المسار التنموي المستدام والممكن رغم التضييقات الإحتلالية الى مسار البحث عن البقاء بالفتات والدعاية الإعلامية.